|
مكافحة المخدرات ...الإعلام، والدور المنشود الدكتور غسّان شحرور "كيف أنسى تلك الأسابيع التي قضيتها في قسم معالجة المرضى المدمنين، وذلك خلال دراستي السريرية في السنوات الأخيرة من كلية الطب البشري، وكيف أنسى أولئك المرضى ممن قابلتهم، وتابعت معاناتهم الصحّية والاجتماعية... نعم لقد رأيت بأم عيني كم هي أليمة آثار الإدمان المدمّرة على صحّة وحياة الفرد والأسرة، ولم أكن أتصور أيضا حجم الأضرار التي ألحقتها المخدرات في حياتهم، فمن أولئك الضحايا من ارتكب جرائم خطيرة في حق المجتمع، ومنهم من فقد عمله ومصدر رزقه وانهارت أسرته وتفككت فأصبحت حياتهم جميعا جحيما لا يطاق، ورغم أنني كنت قد قرأت كثيرا عن المخدرات وما تفعله في ضحاياها، وحجم المآسي والآلام التي تسببها ، فإن ما رأيته وما لمسته عن كثب فاق كل التوقعات ".
لاشك أن مكافحة الإدمان والاتجار بالمخدرات يحتاج إلى تكاتف جهود العديد من الجهات الحكومية كالمؤسسات الصحية و الاجتماعية و القضائية والتشريعية والأمنية، بالإضافة إلى الجهود الأهلية وجهود المؤسسات الدينية والثقافية وغيرها. كذلك تلعب المنظمات الدولية والإقليمية دورا كبيرا في هذه الميادين، وتسعى إلى التنسيق في ميادين مختلفة كزراعة وصناعة وتجارة وتهريب المواد المخدرة وغيرها، وهذا يدل على الأبعاد العديدة لمشكلة الإدمان على المخدرات والعوامل الصحّية والاجتماعية والقانونية والسياسية والأخلاقية وغيرها من العوامل المؤثرة في انتشار الإدمان وتجارة المخدرات، لذلك سعى المجتمع الدولي لمعالجة هذه المشكلة المتعددة الجوانب واتخذت منظمات الأمم المتحدة وغيرها من المنظمات الدولية العديد من القرارات والتوصيات في هذا المجال، ومن أجل تفعيل هذه الجهود وإبقاء هذه المشكلة حية في الأذهان كان القرار 42 للجمعية العامة للأمم المتحدة تاريخ 7 - 12 - 1987 القاضي باعتبار 26 حزيران من كل عام يوما عالميا لمكافحة المخدرات. الإعلام والدور المنشود لقد خرج الإعلام بأدواته المقروءة والمرئية والمسموعة، من غمار الحرب العالمية الثانية، بمكانة مرموقة اعترفت بها كلُّ دول العالم لا سيما في مجالات حياتها الثقافية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والعقائدية، ولم يكن هذا الاعتراف الكبير لدور وسائل الإعلام ممكنا لولا التأثير الكبير الذي تركه في مجرى ونتائج هذه الحرب. وقد دفع ذلك الحكومات والهيئات الاجتماعية والصحّية والاقتصادية وغيرها إلى أن تنظر من جهة أخرى إلى الإعلام كوسيلة فاعلة في التأثير على اتجاهات وسلوك الأفراد على مختلف مستوياتهم الثقافية ومراحل أعمارهم ولا سيما التأثير الذي يتركه لدى الشباب وصغار السّن.والإعلام بمفهومه الاجتماعي يعد عملية اجتماعية ذات طابع دينامي فهو يضم ثلاثة عناصر أساسية: المُرسل، المستقبل، والرسالة الإعلامية. ولهذه العناصر تأثير مهم في المجالين التربوي والمعرفي مما يضع بيدها دفّة قيادة عجلة بناء المجتمع وتطوره..ومما لاشك فيه أن المادة الإعلامية، وهي التي تحمل مضمون الرسالة الإعلامية المدروسة من أهم عناصر العمل الإعلامي الموجّه للفئات المختلفة في أي مجتمع، إن هذه الحقيقة، تجعل من حسن صياغة هذه المادة، وتماسك محتواها وأهدافها، وحسن تبويبها، وإتباع الوسائل العلمية الذكية في تقديمها،عملا يحقق الأهداف والغايات المرجوة منه على الوجه الأفضل، وكان لابد لهذه المادة الإعلامية من أن تستفيد وتستند إلى ما كشفت عنه، وما وصلت إليه، نتائج الدراسات النفسية والاجتماعية والتربوية،كي تستطيع بلوغ غايتها، فتحدث التغيير المطلوب في السلوك والاتجاه عند الفرد أو مجموعة الأفراد الذين توجّه إليهم الرسالة.والإعلام في عصر المعلوماتية، سلاح ذو حدين، وبقدر ما نحسن استخدامه وتوجيهه نحصد النتائج المرجوة منه، فالإعلام غير المدروس يشكّل خطرا كبيرا على المشكلة التي يسعى إلى معالجتها، إذ تقود بعض الجهود الإعلامية غير المدروسة في إلقاء الضوء على مشكلة الإدمان على المخدرات أو غيرها من مشاكل المجتمع، تقود إلى تعقيد هذه المشكلة وربما إلى تفاقمها، وقد تقوم بتسليط الضوء على عوامل ثانوية مما يؤدي إلى إغفال عوامل رئيسة لا ينبغي السكوت عنها.وهكذا فمعظم البرامج الإعلامية التي تتناول مشكلة خطيرة كالمخدرات، لا يجرى لها التقييم العلمي المناسب الذي يشمل تحليل نتائج هذه البرامج الإعلامية، وكيف أثرت في الفئة المستهدفة منها.ولتعزيز دور الإعلام ليصبح إعلاما تنمويا فاعلا، لا بد توفير التدريب والتأهيل اللازمين للعاملين ليكون إعلاما متخصّصا مرتكزا على قواعد علمية ثابتة ولا بد أيضا أن يكون جزءا لا يتجزأ من حلقة الجهات التي تتصدى إلى المشكلة أو القضية التي يعاني منها مجتمع ما، كما ينبغي أن يكون للإعلام مقعده الدائم في اللجان الوطنية المسئولة عن صياغة الخطة الوطنية الشاملة لمكافحة المخدرات، ذات الأهداف المحددة الواضحة التي تعتمد قواعد معلوماتية خاصّة بالموارد والأنشطة المتاحة داخل البلد، وبالبحوث والتدريب في هذا المجال.والإعلام التنموي هذا هو صديق مخلص للبحوث والدراسات العلمية الجادة التي تسعى إلى تحليل مشاكل المجتمع الصحّية والاجتماعية، فالفقر والبطالة مثلا أو بعض الثغرات القانونية والتشريعية، أو وجود اضطرابات سياسية ومطامع خارجية أجنبية وغيرها من العوامل التي يمكن أن تساعد على غزو المخدرات وتغلغلها داخل المجتمع. وهنا يلعب الإعلام دوره المهم في كشف هذه العوامل وتسليط الضوء على تأثيراتها، أسبابها والسبل التي تساعد على حلها والتي بدورها تقود المجتمع إلى برِّ السلامة والأمان.ولا شك أن الشبكات المعلوماتية العالمية التي تنتشر على كل رقعة من وطننا العربي ضاعفت من مهمّة الإعلام نظرا لما قد تنشره بعض الجهات المعادية من مواد إعلامية تهدف إلى الترويج بشكل مباشر أو غير مباشر للمخدّرات أو إلى ما يضعف من البنيان الاجتماعي والثقافي والديني للمجتمع العربي، وهذا ما يجب رصده والتصدّي له وتدريب العاملين في أجهزة الإعلام وتزويدهم بالتقنية الحديثة المتطورة من أجل حماية وسلامة الإنسان على امتداد الوطن العربي الكبير. وقد شهدت العقود القليلة الماضية جهودا عربية ملحوظة في العمل العربي المشترك والتعاون من أجل مكافحة أخطار المخدرات وفي مجالات العلوم الأمنية الأخرى، وذلك من خلال الاجتماعات الدورية لمجلس وزراء الداخلية العرب وفي مجالات تطوير وتطويع وسائل الإعلام في برامج مكافحة المخدرات، ومن الأمثلة على ذلك الدورات التدريبية والحلقات العلمية التي يعقدها المركز العربي للدراسات الأمنية والتدريب والتي تهدف إلى تنمية الوعي بأهمية ودور وسائل الإعلام، وضرورة إتباع واستخدام الأسس العلمية في إعداد المواد الإعلامية، وتقييم البرامج الإعلامية المختلفة في ميدان مكافحة المخدرات وتجنّب أخطارها القاتلة، ويتضمّن برنامج الدورات التدريبية العديد من المواضيع الحيوية مثل كيفية إعداد المادة العلمية المكتوبة وتنفيذها في مجال الوقاية من المخدرات، التحرير الصحفي بأشكاله المختلفة ( الخبر، المقال، التحقيق، المقابلة، القصة )، النشرات الإعلامية.كيفية إعداد البرامج الإعلامية الإذاعية، والتلفزيونية، كيفية تقييم المادة الإعلامية والتلفزيونية، وما هي معايير التقييم وغيرها من المواضيع التي تسعى إلى النهوض بالدور الإعلامي في مجالات مكافحة المخدرات. كلمة أخيرة هذه الكلمة أوجهها إلى الذين يكتفون بالقول أن مجتمعنا العربي - والحمد لله - هو في منأى عن أخطار المخدرات مقارنة بالمجتمعات الأخرى، فأقول لهم "ليس المجتمع السليم الذي لا يعاني من مشاكل وأخطار المخدرات فحسب، بل هو المجتمع الذي يعمل على أن يظل أبناؤه في مأمن منها". |